المناوي
402
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وقال : من ادّعى العبوديّة وله مراد باق فقد كذب . وكان يعاتب نفسه ويقول : أيّ شيء تخاف ، أتخاف أن تجوع ؟ لا تخف ؛ فأنت أهون على اللّه من ذلك ، إنّما يجوع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه . وكان يقول : أجعتني وأجعت عيالي ، وتركتني في ظلم اللّيل بلا مصباح ، وإنّما تفعل ذلك بأوليائك ، فبأيّ منزلة نلت هذا منك ؟ ودخل عليه قوم فقال : ممّن ؟ قالوا : من خراسان . قال : اتّقوا اللّه وكونوا من حيث شئتم ، واعلموا أنّ العبد لو أحسن الإحسان كلّه وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين . ورأى رجلا مغموما فقال : أتخشى أن يكون لك رزق لا تستوفيه ؟ قال : لا . قال : فتخشى أن يكون غير ما شاء اللّه ؟ قال : لا . قال : فلأيّ شيء غمّك ؟ قال : علمت أنّ الدّنيا تفارقني اضطرارا ففارقتها اختيارا . مات سنة سبع وثمانين ومائة ، عن نحو ثمانين سنة « 1 » . وكان من أعاظم أئمّة المحدّثين ، خرّج له الجماعة إلّا ابن ماجة . وعنه أخذ : الشّافعيّ ، وابن المبارك رضي اللّه عنهما ، وأسد السّنة « 2 » ، وخلق . وقال الذّهبيّ وغيره « 3 » : كان سيّدا عابدا ورعا زاهدا إماما ربّانيّا عالما فقيها . وناهيك بقول ابن المبارك رضي اللّه عنه : ما بقي على ظهر الأرض أفضل منه .
--> ( 1 ) في المطبوع : ودفن بباب المصلّى . ( 2 ) في المطبوع : وأسند الستة له ، وأسد السنة هو أسد بن موسى بن إبراهيم الأموي المصري إمام حافظ ثقة . توفي سنة 212 . انظر ترجمة ومصادرها في سير أعلام النبلاء 10 / 162 . ( 3 ) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد 5 / 500 .